Thursday, February 10, 2011

يوميات الثورة

يوميات الثورة

أظن من الهام جدا أن نكتب جميعنا عن شهاداتنا عن تلك الأيام الماضية ، فبعد سنوات طوال سنجلس مع ابنائنا نحدثهم بفخر عن تلك الأيام . لم أكتب فى حينها لإستمرار إنقطاع الانترنت حتى هذا اليوم ، فالسادة البلطجية أختاروا سنترال العمرانية ليدمروه عن كامله .

اليوم الأول :28 يناير

استيقظت منذ الصباح متفائلة ومشرقه وكأننى ذاهبة إلى رحلة إنتظرتها كثيرا ، فرحت أن هذا التاريخ سيصبح له ذكرى آخرى غير الذكرى التى أحملها له .

أخذت سيارتى الصغيرة ولعة وإنطلقت إلى ش شبرا لأتركها هناك بجوار القسم – المكان الذى بدا لى وقتها آمنا ، لأتجمع مع الرفاق ، مشينا من بدايته حتى الدوران ، وإذ فجأة نجد مجموعة كبيرة من البلطجية تحاصرنا وإثر مناقشة بسيطه مع أحدنا والضابط بدأ البلطجية فى عملهم بسرعه شديدة ، حاصرونا وأخذوا إثنين منا ورفضنا ترك المكان حتى يفرجوا عن الباقى ، وبدأت فى فقد أعصابى وانتابتنى حالة هيسترية شديدة ، مما أخد أحدهم فى تهدئتى وإدعاء أنه صحفى وعندما طالبته بإثبات ذلك ، أخرج لى كارنيه نقابة الصحفيين والذى يؤكد أنه يعمل فى صحيفة الجمهورية ، لكن للأسف لم أستطع تذكر الإسم ، وبدأوا يهددوننا بالضرب ، ومع الخوف الشديد الذى بدأ ينتابنى إخترنا الرحيل ، وفى أثناء ذلك ، ومع خوفنا على زملائنا المقبوض عليهم وترحيلهم أمامنا فى سيارة ميكروباص ، وجدنا مظاهرة كبيرة جدا تخرج من ش الترعة الى ش شبرا ، فانضممنا إليهم ، فى المظاهرة كان الشعب بكل طوائفه ، لم أكن أعرف أى منهم ، بجوارى سيدة بجلباب بسيط خفت عليها وأخذت أنصحها بالحذر ، وأخذت تصرخ فى بانها احتملت كثيرا ، وأنها الآن تصفى حساباتها مع الحكومة المتمثلة فى الشرطة التى أخذت ابنها بغير وجه حق ، والبلدية التى سرقت فرشتها ، ومن لم يستطيعوا توفير فرصة عمل لأبنها الآخر .

أخذت تصرخ وتعلن رفضها للرئيس .. كلما نظرت ببصرى إلى الوراء أعجز عن تحديد حجم المظاهرة ، مشينا حتى ش رمسيس وحوصرنا هناك ، كان الكل يساعد ، أناس عاديون يحملون قطع صغيرة من البصل يوزعونها علينا ، الكل فى حالة وئام ، يحاول أحدهم أن يطلق شعار "اسلاميه " فيرد آخر " مصر لكل المصريين " فيعتذر الرجل الإخوانى ويؤكد ان مصر لكل المصريين .

مشهد بدا رائعا ودافئا ، ان تلتحم مع كل فئات الشعب وتفعل نفس الشىء فى نفس اللحظة وتختبر نفس المشاعر ،دون سابق تخطيط .

عندما اشتد علينا الحصار وبدأوا فى إطلاق القنابل المسيلة للدموع ، اختنقت صديقتى لإصابتها بضيق فى التنفس ، فانطلقنا محاولين الخروج من المكان بسرعة شديدة ، وخلال ثلاث ساعات كنا نسير فى الشوارع لنرى المظاهرات الآخرى فى الكيت كات وامبابة وش السودان ، بدا لى شعار " ثورة فى كل شوارع مصر" حقيقيا وحرفيا جدا . بدت فكرة الوصول للسيارة مرة آخرى ساذجة إثر أصوات الأعيرة النارية والإصابات فى كل مكان ، حاول صديقنا الدكتور توصيل أكبر قدر من المصابين إلى المستشفى بسيارته.

وعند حلول منتصف الليل وفى تمام الثانية عشرة ونصف خطب الرئيس فى التليفزيون وبدا خطابه ثقيلا جدا ومحبطا بشدة .

ولم يستطع أى منا الذهاب إلى بيته فى هذا اليوم ، فظللنا حتى الصباح فى بيت صديقة لنا.

اليوم الثانى : 29 يناير

تحركت فى الصباح الباكر جدا لأخذ سيارتى من ش شبرا ، وعند الوصول وجدت شخص لا أعرفه يقوم بحراستها وبدت حالتها مزرية للغاية ، كل الزجاج مكسور والسيارة من الداخل مخربة ، وبعض الأشياء مسروقة ، ووجدت الرجل يحكى لى عن البلطجية ومحاولتهم سرقة السيارة بالكامل لكن أهل الحى حاولوا حمايتها بعد أن قاموا بتكسير زجاجها ، منظر السيارة وهى محطمة وش شبرا وهو بالكامل محطم دفعنى للبكاء بشدة ، الشوارع التى أحبها والمحلات التى أشترى منها ، كل ذلك كان محبطا ومخيبا للآمال ، الشىء الوحيد الذى هدأنى هو جدعنة ذلك الرجل الذى ظل يحمى السيارة لساعات الليل وهو لا يعرف صاحبها حتى لا يكمل البلطجية على ما فيها .

ذهبت إلى البيت محبطة وفى حالة يرثى لها ، لأقلب فى التليفزيون على القنوات وأتابع المحطات والتحليلات ، وفى المساء أصاب بنوبة من الرعب المرضى من البلطجية ، بدأت أفقد أعصابى بالكامل وأشعر بالخوف الشديد جدا وأنا أتابع فى التليفزيون المصرى المتخلف أخبار السرقات التى كانت تقترب جدا من شارعنا ، أخذت مهدىء ومنوم بجرعة اكبر لأنام كنت أصلى وأطلب من الله أن ينتهى هذا اليوم بلا أذى لى أو لأحد ، كنت أريد النوم فقط وبالفعل سرعان ما غرقت فى النوم من السادسة مساء تقريبا حتى التاسعة من صباح اليوم التالى .

30يناير- 1 فبراير

بدأت أستوعب الأحداث ، وإنقطاع الإنترنت ، وإنقطاع التليفون الأرضى أيضا عندنا ، فجأة وجدتنى فى حالة يرثى لها ، بين الملل من متابعة المزيد من الأخبار ، ورفض العائلة من نزولى لأى مظاهرات وتضييق الخناق على والخوف من إصابتى بأى مكروه وخاصة بعد أن أثبت لهم أن أعصابى خفيفة ولا تحتمل أى نوع من التوتر.

مرة آخرى بدا خطاب الرئيس ساذجا وتمثيليا ومستفزا جدا ، لم أشعر معه بأى نوع من التعاطف ، واستغربت صديقتى وهى تحكى لى كيف بكت والدتها بعد خطابه .

ظللت فى المنزل وحيدة أجلس أتابع نمو زرعاتى الصغيرات ، وأتابع الأخبار وأطمئن على الرفاق فى التليفون . وأنام فى الليل مرعوبة من إقتحام البلطجية للشقة .

2-3 فبراير

أشعر بصعوبة شديدة فى الاستمرار فى البيت ، بينما الأصدقاء فى ميدان التحرير يباتون ، اقول لأمى أن على أن أذهب ، وأنزل بالفعل ، أهاتف منى سيف لأعطيها بعض الأموال التى تبرع بها أحد الرفاق .

الميدان بدا يومها مختلفا عن ذلك الذى أراه فى العادة ، مخيمات كثيرة مكتوب عليها " بنسيون الحرية " ورجال ونساء من كل نوع ، محجبات ومنقبات ، رجال بذقون وبدون ، الميدان اتسع لكل هؤلاء ، أحدهم يمر على النائمين يوقظهم ليعطى لأحدهم بسكوت أو ساندويتشات فول أو تمر .

بدا منظر مناصرى الرئيس سخيفا جدا ومستفزا ، أخذوا يهتفون " هما يمشوا " أضحكنى الشعار جدا ، بدأ الجيش يفقد السيطرة عليهم وبدأوا يتجمعون ويحاولون الدخول ، وقتها شعرت بالخطر الشديد ، ورحلت مع احد الأصدقاء عندما سمعنا أن الأنترنت قد عاد ، فذهبت معه لتسجيل ما يحدث والرد على الإدعاءات التى بدأت تنتشر حول تلك الوجبات التى توزع على المتظاهرين فى الميدان وكيف أن ذلك كله مخطط أمريكى وكثير مما قيل فى ذلك الوقت .

رحلت عن الميدان ، وبعدها بقليل سمعت عن الخيول والجمال التى غزت الميدان والبلطجية وتلك المجزرة الدامية التى راح ضحيتها الكثيرون ، ظللت أبكى وأنا أتابع الأخبار وأشعر بالعجز الشديد ، لا أدعى البطولة ولن اقول أننى أشارك دوما فى المظاهرات أو الاعتصامات . لكنى شعرت بالعجز كما لم أشعره من قبل .

إطمأننت على بعض ممن أعرف ، وعندما تابعت أمى الأخبار دعتنى إلى النزول فى اليوم التالى وقالت أن دماء هؤلاء الشهداء تدعونا للنزول ، وأخذت تتعارك مع صديقتها فى التليفون وهى تحكى لها ما سمعته على قناة المحور من أن هؤلاء الشباب فى التحرير عملاء وكيف يأكلون من كنتاكى ، أخذت أمى تصرخ فيها وتؤكد عليها أن كثير منهم من أصدقاء رضوى وأنها ذهبت اليهم اليوم بأموال تبرع بها أصدقاء آخرون ، وأنهم كانوا بلا خيمة حتى وقت قريب وينامون فى العراء .

هاتفنى صديق آخر فى المساء وظللنا قرابة الساعة نناقش جدوى الاستمرار فى التحرير ، مرتبكة أنا وعاجزة عن الفهم ، وأشعر أن عالمى اتسع فجأة ليشمل أشياء عجيبة ، الوطن لم يعد مكان آمن أخلقه دوما ، الوطن ليس كما أظن أنه وردة أزرعها وأرويها وكل تلك الأشياء الرومانسية التى أغرق فيها دوما . الوطن اتسع ليشمل دماء هؤلاء التى تسيل ، ويشمل أيضا هؤلاء الذين سرحوا من وظائفهم وليس معهم أى أموال، ويشمل أيضا الصامدون فى ميدان التحرير . شعرت بالعجز تجاه أى قرار . وانقطاع الانترنت لدى حال دون اكتشاف حقائق يغيبها الاعلام .

4 فبراير- الآن

تبدو جمعة الرحيل ثقيلة جدا منذ الصباح ، تقول لى صديقتى أنها تتمنى لو تنام وتسيتيقظ فى يوم السبت ، الخوف من المزيد من الدماء ظل يراودنى ، أذهب إلى أستاذى وزوجته فى بيتهما لأناقشهما ، أردت أن يناقشنى أحد الذين أثق فى حكمهم على الأمور. أشعر بأننى أود فعل أى شىء إيجابى عدا الوقوف فى التحرير . اظل مرتبكة ، لا أستطيع أن أقول أنهم عملاء أنا أعرف الكثير منهم ، والخوف من تواجدهم يشلنى عن إصدار حكم بأن يبقون فى الميدان حتى رحيل الرئيس .

عندما أذهب إلى العمل أتابع الانترنت فأجد الكل يخون الكل ، إما أن تكون منحازا للثورة والبقاء فى التحرير أو تكون عميلا للنظام – وإما أن تكون موقنا بعدم جدوى الجلوس فى التحرير أو تكون عميلا للغرب ولديك أجندة ما .

لا مجال للمرتبكين من أمثالى الذين لا يستطيعون أن يتخذوا موقفا واضحا . أنا لا أخون أحد ولا أشك فى نوايا احد لكنى أرى أن الوضع مربك فعلا ، بدا الميدان بالأمس كبيرا جدا وأشكال المعتصمون تغيرت ليتسع لمواطنين بسطاء جاءوا من الأقاليم ليحلمون بالحرية ويشاركون فى الثورة .. لكن كثيرا ممن صعدوا على المنصة مدعين ومن راكبى الموجة ولم أحترمهم .

أكثر ما ألهمنى بالأمس أغنية عبد الحليم" صورة " والكل يغنى فى نفس الوقت ، وقوف المسلمين أثناء القداس ، ووقوف المسيحيين أثناء صلاة المغرب والعشاء .. أظن أن ما يحدث الآن هو أقصى أحلامنا وأمنياتنا من شهر مضى .

8 Comments:

Blogger سندباد مصري said...

لاحظي أننا جدد في أمر الديمقراطية
ولن أحدثك عن مثال الثورة الفرنسية
وما فعلتة من أفاعيل حيث أخذت الطالح وأحيانا الصالح أيضاً
إنها أيام الثورة ... لم يدع أحد إنها وردية غناء
بل هو طريق طويل وشاق من الألم والمعاناه
أو هي ضريبة ينبغي علينا جميعاً تحملها
حتي نستحق قبض ثمنها
تمسكي بالأمل
فالغد مشرق وبسام ( ربما ليس الغد القريب ) ولكنه كذلك بكل تأكيد
...
تحياتي والسلام

2:30 AM  
Anonymous Anonymous said...

كلنا زيك يا رضوى انا من اسكندرية كلنا اغلب الايام الى فاتت ولحد دلوقت تايهين ومش عارفين ايه الصح و ايه الغلط الوقت صعب ربنا ييسره علينا كلنا

6:23 PM  
Blogger سراج بوراوى said...

بصدق اعجبنى ماكتبته
واعجبنى اكتر رد امك على على صديقتها لتاكد لها ان هؤلاء ليسو خونه انما هم اصدقاء لكم وتصدقت بالمال لهم
فقد رايت ماتحدثت عنه قناة المحور عن العملاء وعن المراة التى كانت تتحدث عن العملاء , فهى ليست الا عميلة خائنه تحاول اتهام الاشخاص الدين هم متل اصدقاءكم فصدقينى لا تابه لمتل هذا الكلام واستمرو وان شاء الله تفرج"فما ظاقت الا لتفرج"

7:23 AM  
Blogger ذو النون المصري said...

مش قادر اقول اي شيء اعبر به عن فرحتي بهذا الخبر..الخبر هو اعظم ما سمعت في حياتي التي امتدت لواحد و ثلاثين سنه كلها في عصر مبارك
تحيا مصر تحيا مصر
المجد للشهداء
الفخر لكل مصري
يا بلادي عيشي حرة
و اسلمي رغم الاعادي

9:40 AM  
Anonymous Anonymous said...

ألف مبروك
الآن نبدأ مرحلة جديدة
نحب فيها بلادنا ونخاف عليها
نتقبل فيها الرأي الآخر بلا تخوين
نفكر ونعمل من أجل النهوض

أمامنا عمل كثير وهناك الكثير الذي يمكننا إنجازه كشعب
أول هذه الأشياء النهوض بالبورصة وعندي اقتراح أروج له هنا في الخارج ويلقي استحسانا
فليذهب كل واحد منا ويشتري سهما أو اثنين أو عشرة
لن يكون الهدف هو الربح (وليس في هذا عيب)
ولكن هدفنا الأساسي هو مقاومة عملية البيع المحمومة التي ستبدأ غدا
فلنبدأ ثورة أخري ننهض فيها باقتصاد بلانا
م.هشام محرم

8:46 PM  
Anonymous Anonymous said...

رضوى
الحمدلله اني اطمنت عليكي
انا بصراحة مقدرش ابدي رأي
لاني عمري مع عشت في مصر
لكني متأكده ان المطالبة برحيل الرئيس
ما جتش من فراغ
وان اللي حصل كان لازم يحصل
انا متفاءلة خير
وبكرة اكيد احسن واحلى
ليلى - أم زينة

3:30 AM  
Anonymous النهدى للعناية الصحية said...

شكرا على الطرح والرائع والمميز واتمنى المزيد بامر الله ومزيد من التوفيق والود
وارجوا زيادى ان تشرفنى بزيارة موقعى وارجوا ان يحوز على اعجابك
النهدى للعناية الصحية

4:47 PM  
Blogger oakleyses said...

air max, juicy couture outlet, parajumpers, toms shoes, vans, moncler, montre homme, converse, pandora charms, pandora charms, moncler, thomas sabo, gucci, moncler, moncler, baseball bats, juicy couture outlet, hollister, ugg, wedding dresses, links of london, oakley, swarovski, moncler, pandora jewelry, moncler outlet, lancel, canada goose, louis vuitton, iphone 6 cases, karen millen, ray ban, moncler, rolex watches, supra shoes, hollister clothing store, converse shoes, air max, canada goose, hollister, timberland boots, louboutin, ralph lauren, swarovski crystal, coach outlet store online, ugg

6:21 PM  

Post a Comment

<< Home

eXTReMe Tracker