Wednesday, July 26, 2017

أنا ابنة أبى






أحاول الكتابة عنك منذ الرحيل لكنى لا أقوى ، فى الحقيقة لا أقوى على الكثير مثل سماع تسجيلات صوتك فى إلقاء الشعر أو فى الحوارات التليفزيونية ،أو فتح دولاب ملابسك وشم رائحتك فى البالطو الكحلى  .


ما بيننا يا أبى لا يمكن لأحد أن يفهمه ، تلك المساحة المتصلة بين قلبينا لا يمكن لأخرين أن يدركوها .


أخبرتك فى الغيبوبة  بكل شىء أريد إخبارك به قبل الرحيل، ثمانية أيام تفصلك عن الموت ، أخبرتنى صديقة أن أكثر من الكلام معك وأنت فى غيبوبتك لأنه سيصبح زادى بعد الرحيل ، ففعلت .


كنا نداعب بعضنا بعضا منذ سنوات واتفقنا أن تذهب أرواحنا لاحتساء فنجان قهوة فى الحسين ، أخبرتنى بحسم وبوجه منزعج أنك ستموت قبلى ، أعدك بأننى سأذهب قريبا إلى الحسين عند مقهى الحلوجى مقهانا المفضل ، ذلك العالم الذى عرفتنى عليه ، سأحتسى لنا قهوة سادة سأحاول أن أشربها مثلك بارده وربما أشربها ساخنة جدا كما أفضلها وأسخر من نفسى قائلة مثلك " القهوة تحتسى مش تدلق فى معدتك " .


هل قلت لك من قبل أنك سندى ، أظننى أخبرتك فى الغيبوبة ، دائما ما كنت تشعر أننى أقوى بكثير من أن أحتاج لسند لكننى كنت أعرف أنك موجود وأن الأمور عندما تسوء ستتصرف .


أفتقد ما كان بيننا منذ سنوات ، أحداث بعينها أفتقدها زياراتنا للحسين ولحوارى الجيزة وأنت تعرفنى بها وأخبرك أننى لن أحبها أبدا وأقع فى عشق الحسين ، صبرك على جنونى وشغفى بجنونك .


أفتقد الصغيرة التى كنتها المنبهرة بالشعر وبصوتك وأنت تلقيه . كنت أخبرك أننى أريد الزواج من شاعر ، أتتذكر محاولاتى الساذجة فى كتابة الشعر كنت تحتفظ بها وتمدنى كل فترة وآخرى بمصادر تثرى الموهبة  التى تتفتح .


كنت تخبرنى بأنك لا تصمت إلا أمامى ، تفقد شهوة الكلام لتسمعنى ، أبوسعك فى عالمك الجديد أن تظل تسمعنى ، أتعدنى إن حاولت التواصل معك أن تعطينى إشارة بأنك تسمع .


اليوم دعوت الله مخلصة أن يجعلنى أسمعك كما أسمع صوته وألبى نداءاته .


فى الأيام الماضية كنت مسحولة بين رفوف مكتبتك وأوراقك ، موجوعة حد الموت وأنا وسط كل ذلك ، فجأة يسألنى أحدهم عن اسم كتاب فابتسم بينى وبين نفسى لأننى أتذكر قصة الكتاب بيننا متى رشحته للقراءة وتعليقك عليه .


ذكرياتى معك كثيرة ربما ستصبح زادى فى السنوات المقبلة حتى نلتقى .


كنت أريدك أن تشهد كل تطورات سلمى حفيدتك الصغيرة احتفظت لها من مكتبتك بمجموعة من الكتب ستشكل وعيها.  سأخبرها عنك ، سأعرفها بمقاهى الحسين وأزقة الجيزة التى لم أحبها لكننى سأخبرها أنك كنت تعشقها .


سلمى تسأل عنك أخبرها بالحقيقة كما قرأت فى كتب علم النفس لكنها تضرب عرض الحائط بكلامى وتخبرنى أن جدو نائم ، أهز رأسى وأصمت .


أعدك أننى سأبذل قصارى جهدى فى التواصل معك وأنت ستعدنى أن تحاول زيارتى كما يزورنى جدى حتى الآن .


وأنا أودعك الوداع الأخير وأضع قبلة على جبينك شممت رائحة ماء الورد تفوح من جسدك وتذكرت أنك أخبرتنى يوما كم تكره كولونيا خمس خمسات التى يغسلون بها الموتى وأنها تؤلم معدتك لأنها تذكرك بغسل جدتك التى تعشقها ، حمدت الله أن ذهنهم تفتق عن غسلك بهذه الطريقة واتفقت معك أن أضع ماء الورد كل ليلة على وجهى لأستشعر نفس طعم قبلة الوداع .


أبى الحبيب أحبك جدا وأمتن بشدة لأننى منك ولأنك  صنعتنى بهذا الشكل ، دعنى أقول أنك شكلت وجدانى وعقلى ، ربما تمردت عليك كثيرا لكنك أنت المتمرد الأكبر تعرف لماذا يتمرد الصغار.

Friday, March 03, 2017

دفء صباحى



منذ وقت طويل وأنا لم أشعر بدفء صحبتي ، دائما ما ألهث وراء أمومتي، طفلتي الجميلة وعرائسها ومفردات حياتها التى ترهقني بقدر محبتي لها .

يتيح لي القدر ساعة من الوحدة في مكان يضمنى برفق . لا أنشغل بسواى وقطة أرادت أن تتونس بي ، هربت هى الأخرى من صخب طفلة صغيرة فى المنضدة المجاورة وجاءت إلى وحدتي حيث فنجان القهوة وفطيرة تفاح صغيرة أرادت أن تقاسمني فيها .

كلانا كان يدرك أنها فرصته الوحيدة . مكان صغير يضم وحدتي وقهوتي وزرع أخضر طازج وقطة صغيرة تشعر باليتم .

قطتي الصغيرة هل تعرفين أننى فى الآونة الأخيرة أشعر باليتم رغم كل المحيطين ؟!

يساورنى الشك أحيانا في قدرتي على صنع البهجة وتراودني أفكار مزعجة بشأن الاستمتاع باللحظة الآنية ،فأشعر بالوحدة والرغبة فى الهروب ،لكننى لا أهرب وأتظلل بالصغيرة والحبيب لكن قلبي يريد استراحة ليشعر بالدفء، أهرب فى بعض الأحيان إلى السينما وحيدة وأظل أحارب أفكاري حول الصغيرة وأطمئن نفسي أنها بخير مع والدها .

أراقب الساعة الآن لأعرف كم يتبقى من الوقت ،أحاول ألا أفعل وأغرق فى الاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة ،صوت الموسيقى ، القطة النائمة ، الشمس الدافئة ،رائحة المخبوزات من حولى .

القطة بدت هادئة واستسلمت للنوم بجواري ،أريد سؤالها ألا تؤرقها الأفكار حول رحيلي من المكان ،ألا تخاف من عدم وجود فرصة أخرى للاستمتاع . بدت هادئة مخلصة فى استمتاعها .

المنضدة المجاورة صاخبة ، الأبوان فى حالة انشغال تام بإضحاك الصغيرة الباكية .أفكر فى صغيرتى وكيف يبدو تفاعلها مع درس الموسيقى اليوم ، وهل تراودها الأسئلة حول لماذا لم تدخل أمى إلى الدرس ولماذا جاء أبى معنا هذه المرة ؟!

أهرب إلى القطة الصغيرة وهدوئها الأخاذ. أراقب المنضدة المجاورة فأكتشف أنهم رحلوا .

أنظر فى الساعة لأراقب كم تبقى من الوقت .أهرب إلى لون الكراسى المبهجة ،تمازج البرتقالي والتركواز مبهج ، فنجان القهوة أنيق والقطة ما زالت نائمة .

أفكر فى صحبة دافئة ،أرسل رسالة لصديقتى لأخبرها أننى أفتقدها فى هذا المكان ،فى الحقيقة جل ما أفتقده هو نفسي .

فى الآونة الأخيرة لا مكان للصداقات دون الصغيرة دائما ما تزاحم الجلسات ،أراقب ما تفعل ،أخاف أن تسكب فنجان القهوة أو ترسم على الكنبة أو تصطدم بالأشياء .أخترع أماكن جديدة للخروج مع الصديقات لكن تلك الأماكن تخوننى وتصادق سلمى وتلفظ صداقتى .

منذ أسابيع أتاح لى القدر نصف ساعة من الوحدة ـ قررت أن أنزل من السيارة وأسير فى شوارع وسط البلد ،بدا ميدان طلعت حرب جميلا دافئا مرحبا بي . كان الجو مائلا إلى البرودة والشوارع فارغة وأيس كريم العبد لذيذا ومثيرا للذكريات ،قررت أن أخلص لللحظة وأستمتع بوحدتي وأتأمل واجهات المحلات وأخلو لنفسي وأنسى أمومتى .  تقع عيناي على ذلك الديناصور المسمى "بارني" فى شكل حقيبة حضانة ،لمعت الفكرة سريعا – كم ستبدو سلمى سعيدة عندما تذهب للحضانة لأول مرة وعلى ظهرها بارني.

لم يكن معى فى الحقيبة سوى ثمن الديناصور وبضع جنيهات أخرى ،ذهبت لشرائها برضا تام ،استنفذت طاقتي فى الفصال مع البائع .

أفكر فى أنه كان من الأجدر أن أحضر معى كتاب فى ذلك المقهى فمنذ وقت طويل لم أستمتع بصحبته .

أفيق من تأملاتى وأنظر للساعة وأتلفت حولى لأجد كل رواد المقهى رحلوا وتركوني فى صحبة نفسي وفنجان قهوة بارد ومقلمة مبهجة وقطة نائمة .

 

Sunday, January 08, 2017

خطابي الأول الى سلمى




حبيني الصغيرة لا أعرف إن كان يعد ذلك الخطاب هو الأول أم لا ، يرقد فى صندوق هدايا الله الذى أخبرتك به من قبل خطابين أو أكثر ، واحد قبل أن أحمل بك ، وآخر بمجرد معرفتى بالحمل وربما تجدين خطابا فى الشهر الخامس من الحمل على ما اتذكر يا سلمى .

لكن هذا الخطاب مختلف لأننى أخبرك فيه بأولى هدايا الله لك يا صغيرتى .

كنت قد أخبرتك من قبل فى أيامك الأولى معنا فى الحياة عن الله وكيف هو جميل ويحب عائلتك بشكل مختلف وهم يدركونه بتفس الشكل ويحبونه بنفس القدر .

دعينى أحكى لك قصتك الأولى مع هدايا الله ، كنا فى مول كبير نحاول شراء غسالة والأسعار مرتفعة جدا وغير منطقية فى تلك الحقبة التاريخية السوداء التى نعيشها ، كان عمرك حبيتي عام وسبع شهور ، وفى وسط احباطنا قررنا أن ندخل محل لعب أطفال شهير لنشترى لك دبدوب على شكل "بارنى " شخصيتك المفضلة فى هذه المرحلة تنطقين اسمه بسلاسة وتشاهدين كارتونه بحب وشغف .

أعجبنا أحدهم وأبهرك فى الحقيقة ظللتى تحتضنينه وتلعبين معه وفى الحقيقة وافقنا على شرائه رغم سعره المرتفع بالنسبة لدبدوب صغير ونحن ندفع سعره أخبرنا البائع أنهم نسوا تغيير سعره القديم المرتفع أصلا وأصبح تقريبا الضعف .

بدا لى بارنى نفسه مستاء مما يحدث فى ذلك الزمن السخيف ، بكيتى لأول مره تعلقا بلعبه خذلناكى ولم نشتريها لك .

لكنك سرعان ما نسيتى واستسلمتى للنوم فى السيارة وظللنا أنا وأبيك نقنع بعضنا بأننا لم نخطىء فى حقك وأنه بالتأكيد هناك محلات آخرى تبيعه بسعر منطقى وأننا سنبحث عنها ونفاجئك .

فى أثناء رحلة البحث فوجئنا بصديقة تعطينا الدبدبوب كهدية ، دبدوب صغير يصدر صوت  أغنية بارنى بمجرد أن تضغطين على بطنه ، ظللتى طوال الطريق وأنا أقود السيارة تطلبين منى أن أضغط على بطنه لتسمعى الأغنيه حتى نمتى وهو فى حضتك .

جبيبتى تاريخيا تلك هى هديتك الأولى من الله الذى يحبك جدا ، لم يستطع أن يراكى تبكين على شىء يعلم هو فقط كيف يمكنك الحصول عليه ولديه خطط واضحة  لذلك.

كلما أهداكى الله شيئا أعدك أننى سأحكى لك عنه وسأسلمك ملفا يحوى ذلك كله حتى تتعلمين كيف تستقبلين هدايا الله بنفسك .

طفلتى الصغيرة كلنا عيال الله المدللين كما قال أبيك ونحن نزور الكعبة .

ماما رضوى

Friday, December 09, 2016

فى العام الخامس والثلاثين

كيف يمكننى أن أجمع خمسة  وثلاثين شمعه فى تورته واحدة ، أظن أننى سأحب ذلك ، كل عام أختزل السنوات فى شمعة واحدة . هذا العام مختلف .سألتنى أختى منذ أيام لماذا لا تتحدثين كثيرا عن ترتيبات  احتفالك بعيد ميلادك ، ربما لأننى كبرت وأصبح لدى طفلة صغيرة تمشى فعليا مربوطة فى قدمى ، ترى العالم من عيني ، تحاول أن تقلدنى تماما ، تمسك بفرشاة مكياجى وتضعها فى وجهها وتضع برفان وتنظر بلمعة عيون الى المانيكير وتحلم بتجربته .سنوات طوال مرت على الصغيرة التى تكره الحساب وتحب المدرسة وتؤجل الواجبات المدرسية الى لحظة لا تأتى أبدا. سنوات مرت على المراهقة التى تحلم بشاب يقرأ لها الشعر ويكتب قصيدة لا تشبه أحد غيرها . وسنوات آخرى مرت على المرأة التى تغزل الحلم شالا ويتسرب من بين يديها وتعيد غزله مرة آخرى .أنا تلك الفتاة الصغيرة والمراهقة التى تنتظر أن يكتب لها حبيبها شعرا يشبهها  والمرأة التى تغزل الأحلام والأم التى ترضع بنبات قلبها طفلتها الوحيدة .أتأمل فى بدايات عامى ، بكل ما فيه من فرح وضعف وقوة وايمان وأحلام ، أشعر بالرضا يا رب وأحاول أن أجيد لعبة الرقص بين كل الفتيات القابعات فى داخلى ، أرقص يا رب فعليا بين الأم والحبيبة والمرأة الذكية ، ربما هناك أدوارا آخرى تنتظرنى  لا أعرف عنها شيئا وأنت ما زلت تكتب سيناريو تلك الأدوار .كل ما أعرفه يا الله أنك بارع فى إخراج النص بصوره المختلفة وتمنحنى قدرة استثنائية لتنفيذ الأدوار التى تمنحنى إياها .هذا العام سأتخذ قرارات أكثر حسما وسأكون أكثر جدية فى تنفيذها ، سأظل كما أنا أرقص بين الأدوار لكنى أطلب أن تكون رقصة ناعمة كالباليه الناعم فى مساءات صافية .كل عام وأنا طيبة .. كل عام وأنا أستطيع النظر الى السماء فألمس قلبى فأفهم حكمتك فأرتعش من الدهشة . 

Monday, May 30, 2016

سلمى التى فى روحي وفى حشا القلب - الخطاب الأول إلى سلمى


أظنك لا تدركين معنى وجودك فى هذا العالم لمدة عام كامل عشنا فيه سويا ، كل سنة وأنت طيبة حبيبتي الصغيرة .
لم أدرك أن الأمر جميل ومربك لهذه الدرجة ، لم تخرجى بعد من رحمى ، هكذا أشعر ، ما زال الحبل السري بيننا ، عندما أضع زجاجة المياة فى فمك أجد نفسي تلقائيا أحرك فمى معك . عندما نجلس سويا لنلعب أعيد اكتشاف الأشياء بعينيك وقلبك .
أفرح بذلك البرومو الذى تحبينه وتهللين لرؤيته على التليفزيون ، أحب صوت عروستك جدا ، أحب تلك اللحظات التى نقضيها سويا فى سماع أغنية أبو زعيزع يوميا بلا ملل من كلينا وبنفس الحماس، فى كل مرة أستمد حماسي من حماسك المتقد .
كل عام وأنت طيبة ستتمين غدا عاما كاملا ، عاما من النضج ، أصبح بإمكانك الآن أن تصرخي بشدة عندما أحاول تعديل وضع الساندويتش فى يديك ولا تبالين بمحاولات شرحى أننى لن أخذه فقط أقوم بعدله .
أكبر معك يا سلمى ، فى الحقيقة أنا أنضج وأنا معك ، أقوم بدور الأمومة الذى ستعلمين فيما بعد انه سخيف بنفس قدر روعته .
ربما حكيت لك كثيرا عن حلمى بكى لسنوات ، يسميك أصدقائي معجزة الله ويمتنون له بشدة سنتحدث ربما بعد عامين عن معجزات الله التى تتحقق يوميا .
لكن دعينى الآن أحتفل بك على طريقتى ، سنفعل غدا أشياء جديدة علينا لكننا سنبدأ اليوم بالتطعيم فى مكتب الصحة السخيف  ، أعرف أنك تكرهين المرأة البدينة الموجودة هناك مثلى لكنك ستحتملين وتقولى لنفسك انها فقط بضع دقائق ونذهب بعدها إلى  اختبار العديد من المتع ، ربما ملاهى جديدة وربما لعبة ستحبينها وربما نستمع للمرة المائة الى أغنية أبو زعيزع لكنى أعدك بالمتعة .
فى الحقيقة يا سلمى وعدى لك أن أعلمك كل ما أعرفه عن طقوس صنع الفرح ومقاومة الاحباط وحب الله .

وعدى لك كما كتبته فى كارت سبوعك "خلقت لأري نور الله " سأعلمك كيف يشع النور وسط العتمة .

Monday, May 16, 2016

عن كارمن عابرة القارات

ضحكة صافية من قلب الحزن ، من قلب الوجع ، من قلب الصبر والتعويض ، من قلب الفرح . هكذا ضحكات صديقتى كوكو ، لأسباب عديدة لن أصدق أنك ستهاجرين ، الهجرة لا تليق بفتيات الجيزة .
وعدتك أن هناك مفاجأة تنتظرك ، لا أملك سوى الكلمات يا كارمن ، تلك الكلمات التى طالما غذيت روحينا فى صداقتنا التى امتدت لسنوات طوال ، كلمات نصبر بها بعض فى أوجاعنا التى تزامنت مع بعضها ، ونشجع بها بعض فى أفراحنا التى تزامنت هى الآخري ، ولحظات الصبر التى تزامنت أيضا ، ومكان سكننا الذى هو قريب أيضا من بعض.
كل هذا التزامن لا يليق بالهجرة ، دعينا نتفق أنك عابرة للقارات كما أنت عابرة للقلوب ، ظللت أتأمل بالأمس فى كل هؤلاء الأشخاص الذين جاءوا ليودعونكى ، أشخاص مختلفة غير متجانسين تماما ، يختلفون لكن يتفقون على أنك فتاة الجيزة الضحوك . تلك الفتاة التى لا تعرف سوى الضحك فى وسط الألم ، السخرية وسط الوجع .
دعينا نتفق أيضا أن البيت والحبيب هما الوطن ، سأعرف أنك ستفتقدين سائقي التوكتوك فى حواري الجيزة وسبهم اليومى للدين ، ما أن تذهبين إلى تلك البلاد التى يتبادل سكانها التحيات اللطيفة صبيحة كل يوم حتى تهاتفينى فين سب الدين أمال ؟!
لن أفتقدك لأنك حاضرة بمهاتفتنا اليومية إطمئنى سنهاتف بعض يوميا ربما سيتغير التوقيت كثيرا لكننا سنتهاتف لنشارك أوجاعنا سنشتكى من أزواجنا والمصاريف المتزايدة ونتأمل فى آخر هدايا الله.
لا أصدق أنها هجرة وأنت أيضا لا تصدقين فدعينا نسمى الأشياء بأسمائها ، أنت عالقة بين الوطن والوطن ، قلت لك من قبل أن الوطن هو البيت والحبيب هو الشوارع التى نرتادها ونحن مطمئنين ، هو الله الموجود فى كل مكان.
الوطن أيضا هو الأصدقاء والذكريات المشتركة لذلك أقول لك أنك عالقة بين وطنين ، ولأننى أعرفك جيدا فأنا أؤكد لك أنك ستظلين عالقة ، أو كما تطلبي منى أن أؤكد لكى بحسي السيكولوجى .أراهن بذلك الحس أنك ستظلين عالقة.
أعرف أن هناك أشياء تفرق معك فى الوطن ، أعرف أنك لا تستطيعين العيش بدون الله ، أنت من تقررين مكان وجوده ، هو عابر للقارات ، لكنك من تحضرينه معك .
أتذكرين سفرنا إلى براغ ، أتذكرين أننى قلت لك أن الله حاضرا هنا بقوة ، روحى سكنت فى المدينة فجاء الله ليكملنى ويطمئننى . سيفعل معك ، فقط حرري روحك كي تسهلى الأمر . ثقى أنك عابرة للقارات ولست مسجونه فى قارة دون الآخرى .
كارمن لن أودعك ولن أحضنك فى حضن طويل ولن نبكى لأننا سنهاتف بعض يوميا كما يحدث دوما .
ستجيئين قريبا لأن سائقي التوكتوك الذين تكرهينهم جدا وحشوكى . أعرف ذلك .

كارمن  هناك العديد من المعجزات فى انتظارك ، تلك المعجزات ستتحقق عندما ترين روحك طائرة مطمئنة وليست عالقة بشىء . هناك الكثير من المعجزات سنتحدث عنها فى الأيام المقبلة .                    

Monday, September 21, 2015

رسالة إلى صديقتى فى القارة الآخري

صديقتي ريهام ، هل تعلمين أنك ألهمتنى هذه التدوينة التى يمكن أن تتطور إلى مجموعة من الرسائل عندما كتبتي تعليقا علي صفحتى فى الفايس بوك بدأتيه بصديقتى فى القارة الآخري .
أفكر فى كتابة هذه الرسالة منذ ذلك اليوم ، القلق أصبح أكثر أصدقائي رغبة فى مصاحبتي هذه الأيام .
بالأمس ظللت أحلم بمهام على إنجازها وطوال الحلم وأنا اجري فى كل اتجاه لأنجزها . بالأمس أيضا كتبت الى صديقة عبر الواتس أب أننى أثق أننى أفعل أقصي ما فى وسعي هذه الأيام لرضوى ولطفلتى سلمي .
كثيرا ما أهتف لنفسي فجأة أننى أريد الجلوس معك فى الشارع المجاور لى فى تلك المدينة البعيدة المسماه الفردوس .
أخبز الكعك وأشد الرحيل الى الشارع المجاور ، لا أصدق أننا فعلنا ذلك لثلاث أو أربع مرات ، كان ينبغي أن نفعل ذلك أكثر .
ريهام أود أن أفضفض ، أنا أفعل عشرات الأشياء فى اليوم ، أنفذ الجزء العملى فى رسالة الدكتوراه وأكتب مقالات بدلا من النزول للعمل بشكل يومي ، وأجلس مع مرضي ، وأفتتح غرفة جديدة فى مكتب أبي لأقابل فيها بعض مرضاي ، وأعمل فى بعض المشاريع التنموية التى لا تتطلب وقتا كبيرا وألعب مع سلمي وأقرأ لها وأطبخ وأبحث علي الانترنت عن ما ينمى قدراتها .وأجلس مع زوجي لأحكي له وأستمع  إلي ما حدث فى يومه  ، وأساند أختى وأسمعها ، وأذهب إلى حماتى وأذهب إلى أمى وأبي ، وأنزل إلى عملى الأساسي ليوم فى الاسبوع ، وأهاتف بعض أصدقائي ، وأضع خططا لا أنفذها لضيق الوقت .
الأمس كنت منهكة جدا أخاطب الله طوال الطريق وأنا أقود السيارة فى شوارع القاهرة قبيل العيد بأيام ، القلق يغزل شباكه على قلبي وأحاول أن أري الله من بين الشباك .
فعلت عشرات من القائمة المذكورة أعلاه ونزلت قبل موعد بدء الجزء العملى للرسالة بساعتين حدثنى عقلي أنهم كافيين فى الزحام ، الدائري كان مزدحما بما يكفى لصراخى فى وجههم وكل المخارج مغلقة ، موعد البدء يكاد يقترب ، وسلمي تبكي فى السيارة ، وأذكر نفسي أن أفراد العينة المشاركين فى البحث سيقفون على السلم لأن المفتاح معى وربما يغادرون ، الزحام لا ينتهى وسلمى متذمرة وأنا منهكة وأكرر عبارات تشجيعية لنفسي وأهاتف الله وأطلب منه المساعدة لكنى لا أرى النور ، وصلت فى الموعد منهكة  وفى بداية المحاضرة بدأت سلمي فى البكاء مع البنت التى تجلس معها والبكاء مستمر بما يدفعني للمزيد من الاحساس بالذنب ، أتذكر نتائج الابحاث المتعلقة بترك الطفل يبكي ، أفكر بلا عقلانية ، أفكر فى االاستئذان من المحاضرة ، أخاف على صورتى أمام المشاركين فى الدراسة ، سلمى مستمرة فى البكاء وأنا أحاول التركيز ، تنتهي المحاضرة بشكل جيد والبعض قال عنها ملهمة .
خرجت منهكة مشتاقة للجلوس مع محمد في احد أماكننا المفضلة ، لم يكن معنا سوى القليل من المال بما يكفي للجلوس في هذا المكان وفعلنا مؤمنين بان الله سيرزقنا غيره .
أعرف يا صديقتي أنك تتوقعين أننا لم نستمتع بما يكفي وسلمي تبكي لانها ببساطة شعرت بالجوع وأصبحت في الأونة الاخيرة أرضع في كل الأماكن ، أضع ساتر الرضاعة وأستسلم لسلمي ولرغباتها بلا خجل ، تلك القطع من البيتزا التى كنت أمنى نفسها بقطمها بلذة كنت أضعها في فمي بسرعة رهيبة لان محمد واقف بسلمي حتى انتهي .
في الصباح وبعد أن هدأت وتبخرت شباك القلق رأيت النور وعرفت بأن الله كان موجودا ، أوصلني فى الموعد رغم الزحام ومنحنى دقائق لتهدئة سلمي واستكمال التدريب ومنحنا رفاهية أن نصرف اخر نقودنا فى مكان نحبه كطبطبة حقيقية .
صديقتى ريهام أعرف أنك تعانين فى القارة الاخري  مع الماريه نفس معاناتى ، كنت أفكر لماذا نحن بهذه الهشاشه أم أننا أقوياء ـ حقيقة ليست لدى اي اجوبة الان ، لكنى أقارن نفسي بأمي فأجدنى أضعف .
ربما أنا أقوى ـ لكنى استيقظت هذا الصباح ولدى نيتان الاولى أن أكتب لك والثانية أن أوقف غزل شباك القلق لينفذ النور الى قلبي .







eXTReMe Tracker